قاهر الصحراء


فكر زايد طويلا في إخوانه بالبادية وهم يشكلون قطاعا عريضا من السكان وكان السؤال حينئذ كيف يمكن تحويل إنسان البادية من إنسان قهرته الصحراء إلى إنسان يقهر الصحراء
هل يلحق البدو بالمدن ويعطيهم المساكن الحديثة ويوفر لهم كافة الخدمات الأساسية فتعمر المدن بهم ؟ . . ما أسهل هذا الحل أمام أي قائد سـطحي التفكير
لــكن زايد الذي يقف على أسرار مواطنيه ويعرف شعبه تمام المعرفة عر ف أن هذا خطأ فادح
كان يعرف أن مشكلة تحضير البدو واستقرارهم هي واحدة من أكبر المشاكل التي تعترض تقدم الدول النامية وذلك لاسباب اقتصادية واجتماعية . تفرض عليهم طبيعة حياتهم في الصحراء التي ارتبطوا بها آلاف السنين
ومن هنا اتجه تفكير زايد إلى نقل الخدمات إليهم بدلا من نقلهم إلى حيث تتوافر الخدمات ونقل إلى الصحراء فعلا كافة الخدمات التي يتمتع سكان المدن بمثلها ليتساوى بذلك كل المواطنين وليتوافر لهؤلاء البدو كافة فرص المشاركة الفعالة في بناء مجتمعهم , وليتاح لهم المحافظة على تراثهم وأصالتهم في نفس الوقت وبالفعل بدء في إصدار الأوامر ببناء قرى نموذجية على طول طريق أبو ظبي – العين
وفي أعماق الصحراء بدأت صفحة مشرقة بإنشاء القرى الجديدة 

 

 

 

عصب أحدى الواحات المشكلة لليواء قبل 40 سنة 

 

وربطها بشبكة حديثة من الطرق إلى كافة أرجاء البلاد وزودت كل قرية بمدرستين أحدهما للبنين والأخرى للبنات وسـوق مركزية وعيادة صحية ومــسجد ومكتب لخدمات الدوائر الحكومية بالإضافة إلى الماء النقي والكهرباء
وبالنظر إلى هذا الحوار الذي أجرته الصحفية الأمريكية مسز (فوندا جابلونسكي) في عام 1974 م صاحبت مجلة ((بتروليم انتجنس )) نرى المنهاج الفريد الذي اتبعه زايد لتأكيد الشخصية الحضارية لشعبه وهو يخوض عملية التحديث وأسلوبه المتميز في التنمية الاجتماعية
في البداية قالت الصحفية الأمريكية : يا صاحب السمو لقد أجريت في حياتي كصحفية مئات من المقابلات الصحفية . وكان حديثي يدور عن البترول بحكم تخصصي . ولكنني في حديثي هذا أريد أن اركز على الإنسان الذي يعيش اليوم على دخل البترول هنا . والسؤال الذي أطرحه على حاكم قائد مثلكم وهو يصنع تغييرا يوميا في حياة شعبه هو : كــيف توفقون بين هذه التغييرات المفاجئة في حياة أهل أبو ظبي مع الحفاظ على العادات الأصيلة , والتراث العظيم الذي تركه لكم الأجداد
رد سموه قائلا :- (( لقد حرصنا منذ اللحظة الأولى على وضع أسلوب يتناسب مع الحياة داخل البلاد بعد أن من الله علينا بالثروة . أن مئات من الخبراء والعمال يأتون إلينا من الشرق والغرب وهم بالطبع من أجناس مختلفة . وحتى لا يختلط أبناء البلاد معهم في معيشتهم فقد أقمنا أحياء خاصة لعائلات المواطنين . وأحياء أخرى للوافدين حتى تظل الروابط متينة بين المواطنين ونتجنب تفكك الأسر وهو الأمر الذي تعاني منه المجتمعات الحديثة . . وأضاف زايد إنني لا أقول أن علينا أن نبتعد عن المدينة الحديثة إننا نريد منها أشياء ونريد أن نتجنب منها أشياء أخرى . . أريد أن نستفيد منها بما هو نافع . ونبتعد عن المساوئ
نريد جيلا يحتفظ بعاداته ولا يتنكر لتقاليده الأصيلة غير حدود الشريعةالإسلامية وهي حافلة بالتعاليم العظيمة))  . ثم عادت الصحفية الأمريكية تسأل زايد
إنكم يا صاحب السمو لا تبخلون على شعبكم بالمرافق والخدمات ولكن طبيعة الإنسان هي أنه لا يشعر بما يحصل عليه من منافع أو مزايا بطريقة سهلة فيصبح مواطنا غير فعال . لماذا تمنحون المواطن الامتيازات والمكاسب بسهولة ودون عناء ؟ ما هي فلسفة سموكم في الحياة في ذلك؟ رد زايد مبتسم

 

 

نظرة إلى المستقبل

 

 

لقد عاش هذا الشعب على مدى مئات السنين من التخلف وقد منحنا الله الثروة مؤخرا وأصبحت بمثابة الوالد الذي يجب أن يرعى أطفاله حتى يشبوا في صحة وقوة ومن واجب الأب أن يتعهد أولاده حتى يتجاوزوا مرحلة المراهقة ويصبح كل منهم قوي البنية . وقادر على العمل . ومن هنا فان واجبي الأول أن أوفر للمواطنين كل مقومات الحياة الكريمة
وهنا قالت الصحفية الأمريكية : إن المشكلة يا صاحب السمو أن الناس في بعض البلدان التي ظهر فيها النفط فقدوا شخصيتهم  واعتقدوا انهم يستطيعون شراء كل شيء بالمال , وأنا سعيدة ومسرورة , لأنني حضرت إلى مجلسكم فرأيته مثلما كان منذ عشرات السنين , لقد كنت خائفة عند حضوري إلى هنا أن أجد الصورة قد اختلفت مثلما رأيتها في بلاد أخرى
يا صــاحب الــسمو إنني لست خبيرة في وجوه الناس ولكنني عندما تجولت في أبو ظبي رأيت الراحة والرضا في عيون وملامح مواطنيكم

بيديه الكريمتين يساعد أبناء البلاد في عمرانها

رجوع